علي بن محمد البغدادي الماوردي
252
أدب الدنيا والدين
وذلك من أوكد أسباب الكرامة وأقوى موادّ النعم وأبلغ شافع إلى القلوب يعطفها إلى المحبة ويثنيها عن البغض . وقال بعض الحكماء : من برئ من ثلاث نال ثلاثا : من برئ من السرف نال العز ومن برئ من البخل نال الشرف ومن برئ من الكبر نال الكرامة . وقال مصعب بن الزبير : التواضع مصايد الشرف . وقيل في منثور الحكم : من دام تواضعه كثر صديقه وقد تحدث المنازل والولايات لقوم أخلاقا مذمومة يظهرها سوء طباعهم والآخرين فضائل محمودة يبعث عليها زكاء شيمهم لأن لتقلب الأحوال سكرة تظهر من الأخلاق مكنونها ومن السرائر مخزونها لا سيما إذا هجمت من غير تدريج وطرقت من غير تأهب . وقد قال بعض الحكماء : في تقلب الأحوال تعرف جواهر الرجال . وقال الفضل بن سهل : من كانت ولايته فوق قدره تكبر لها ومن كانت ولايته دون قدره تواضع لها . وقال بعض البلغاء : الناس في الولاية رجلان رجل يجل العمل بفضله ومروءته ورجل يجل بالعمل لنقصه ودناءته فمن جل عن عمله ازداد به تواضعا وبشرا ومن جل بعمله لبس به تجبرا وتكبرا . ( الفصل الثاني في حسن الخلق ) روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إن اللّه تعالى اختار لكم الإسلام دينا فأكرموه بحسن الخلق والسخاء فإنه لا يكمل إلّا بهما » . وقال الأحنف بن قيس : ألا أخبركم بأدواء الداء قالوا بلى قال : الخلق الدنيّ واللسان البذيّ . وقال بعض الحكماء : من ساء خلقه ضاق رزقه وعلة هذا القول ظاهرة . وقال بعض البلغاء : الحسن الخلق من نفسه في راحة والناس منه في سلامة والسيئ الخلق الناس منه في بلاء وهو من نفسه في عناء . وقال بعض الحكماء : عاشر أهلك بأحسن أخلاقك فإن الثواء « 1 » فيهم قليل . وقال بعض الشعراء : إذا لم تتسع أخلاق قوم * تضيق بهم فسيحات البلاد إذا ما المرء لم يخلق لبيبا * فليس اللب عن قدم الولاد فإذا حسنت أخلاق الانسان كثر مصافوه وقل معادوه فتسهلت عليه الأمور
--> ( 1 ) الثّواء : بالفتح : الإقامة .